الشنقيطي

94

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لدخوله فيهم وتعبده معهم - مشهور عند أهل العلم . وحجة من قال : إن أصله ليس من الملائكة أمران : أحدهما - عصية الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس ؛ كما قال تعالى عنهم : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ( 6 ) [ التحريم : 6 ] ، وقال تعالى : لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ( 27 ) [ الأنبياء : 27 ] . والثاني - : أن اللّه صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن ، والجن غير الملائكة . قالوا : وهو نص قرآني في محل النزاع . واحتج من قال : إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله : فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ( 30 ) إِلَّا إِبْلِيسَ [ الحجر : 30 - 31 ] قالوا : فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم . وقال بعضهم : والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص . ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع . قالوا : ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى كانَ مِنَ الْجِنِّ لأن الجن قبيلة من الملائكة ، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس . والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة ؛ ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود : وسخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر قالوا : ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى : وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [ الصافات : 158 ] عند من يقول : بأن المراد بذلك قولهم : الملائكة بنات اللّه ؛ سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوا كبيرا ! وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة : الحسن البصري ، وقصره الزمخشري في تفسيره . وقال القرطبي في تفسير سورة « البقرة » : إن كونه من الملائكة هو قول الجمهور : ابن عباس ، وابن مسعود ، وابن جريج ، وابن المسيب ، وقتادة وغيرهم . وهو اختيار الشيخ أبي الحسن ، ورجحه الطبري ، وهو ظاهر قوله « إلّا إبليس » ا ه وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره : من أنه كان من أشراف الملائكة ، ومن خزان الجنة ، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا ، وأنه كان اسمه عزازيل - كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها . وأظهر الحجج في المسألة - حجة من قال : إنه غير ملك ؛ لأن قوله تعالى : إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ [ 50 ] الآية ، وهو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي . والعلم عند اللّه تعالى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعة أمر ربه . والفسق في اللغة : الخروج ؛ ومنه قول رؤبة بن العجاج : يهوين في نجد وغورا غائرا * فواسقا عن قصدها جوائرا وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه . فلا حاجة لقول من قال : إن « عن » سببية ، كقوله :